في إحدى ليالي حزيران من العام 1928م . لم يدر بخلد المعلمة فرجينيا مارتن انها في اللحظة الأكيدة لوضع مولودها الاول .
ليدخل البهجة في منزلها المتواضع القابع في مقاطعة بلوفيلد بفرجينيا الغربية.
لم تكن مارتن تختلف عن أي ام في العالم ترعى طفلها بشغف وحب لترى من خلال عينيه الصغيرتين بصيص النجاح الذي لطالما بذرته في طلابها كمعلمة نشطة في مجتمع متحضر .
تمضي الأيام ويكبر صغيرها وهي في سعادة تغمر قلبها لكنها تساوي تماماً حزناً عميقاً ينتابها كلما اطالت ملاحظة صغيرها "جوني" بالكاد هو مختلف عن اقرانه. حتى في لعبه فتخاطب مارتن نفسها " مابال طفلي لا يأبه حتى بأصدقائه "
حتى أنه لا يشابه أخته مارثا التي تصغره سنا وتكبره نضجاً . وتسابق الزمن الذي توقف في عقل اخيها
بقي الحال و هاهو جوني في سن الثانية عشرة بدأ يظهر تميزاً متوازيا مع اختلافه المحير . يقوم بأعماله بنجاح ولكن بطريقته الخاصة ,شغوفاً بالقراءة والاطلاع . تكاد تجزم تلك الام ان ذلك هو تعويضاً لما يجده جوني من رفض من قبل أقرانه.
اصبح مهوساً بألعاب الذكاء عاشقاً لحياة العزلة ولا يفتر من عمل التجارب العلمية في حجرته وبطريقته الخاصة ايضاً.
لم يمنع كل ذلك هذا الفتى ان يتم دراسته الجامعية بتفوق من قسم الرياضيات الذي اهتواه.
ثم بعد حصوله على الماجستير كان " جون " قد انخرط في أبحاث عديدة بعد حصوله على وظيفة مؤقتة . وعاد بعدها ليواصل دراسته ويحصل على درجة الدكتوراه ويعاود ابحاثه في مجال الرياضيات ليصبح الشاب جون مدرسة ومرجعاً في علم الرياضيات.
بين عامي 1945 -1948م كان جون يكتب مذكراته عن ايام قضاها في سكنه متحدثاً في كثير من الاحيان عن شريكه بالسكن الذي اثبتت الوثائق بعدها ان جون كان في السكن بمفرده دون شريك . وان ذك لم يتعدى كونه شريك وهمي اثار الشكك حول صحة جون العقلية.
بعد قرابة العشر سنوات ظهرت لدى جون أعراض مرض الفصام العقلي ليتأكد تشخيصه في احدى المصحات العقلية.
ظل جون في دوامة المرض متردداً عليها لفترة طويلة تتناوب عليه نوبات الانتكاسة والتي غالبا ما يصل بعدها المريض الى تدهور فكري يفاقم مشكلته مع واقعه ونتاجه.
لكن لحسن حظ جون انه يعيش في مجتمع متحضر كالمجتمع الامريكي حيث يلقى فيه المريض النفسي كل الدعم والتشجيع والقبول الغير مشروط ,أتاح له الى جانب إلتزامه بالعلاج بقناعة كاملة منه أن يعود مجدداً
لقد انخرط جون في عالمه مطلقأ العنان لذلك " العقل الجميل" وهو يكتب خربشاته في قاعات الجامعه المظلمة ليتمخض عنها نظريات اصبحت تدرس الآن كنظرية التوازن والتي اخذت اسمه لاحقاً ( نظرية ناش للتوازن).
لم يغب يوماً تشجيع زوجته في مسيرته حتى أبدع ذلك الفصامي في مجاله.
حصد جون في العام 1994م جائزة نوبل في الاقتصاد بعد مراجعته وتعديله لنظرية رياضيات التنافس (Game Theory).
ايها النابغ صاحب العقل الجميل , تساءلت كثيرا في يوم رحيلك .
هل سيكون في مجتمعاتنا العربية ذات يوم مريضاً يحمل " العقل الجميل" ?
بقلم : محمد اللقماني
May 23-2015
